الفضيحة وإفشاء السر

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الفضيحة وإفشاءُ السِّرِّ

 

المعنى اللغوي والاصطلاحي :

مأخوذ من مادة (فَ ضَ حَ) التي تدل على انكشاف شيء ولا يكاد يقال إلا في قبيح.

والفضيحة: العيب، والجمع فضائح وفضحته إذا كشفته.

والمعنى الاصطلاحي: قال المناوي: الفضيحة: انكشاف مساوئ الإنسان.

ومن ثم يكون الفضح: أن يكشف المرء عن مساوئ أخيه (ليعرف بها) وهذا المعنى قريب من التشهير وكشف العورات. [1]

الموت أهون من الافتضاح:

عقد الشيخ العز بن عب السلام فصلاً في بعض كتبه وجعل ترجمته: تمني الهلاك دون الافتضاح، وذكر قول الله تعالى حكاية عن مريم العذراء: (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) مريم /23). ويؤخذ من هذا عظم أمر الفضح عند ذوي النفوس الأبية. [2]

حكم فضح المسلم:

لا يخلوا المسلم العاصي من حالتين:

  1. إما عاص غير مجاهر بمعصيته ولا مستهتر بأحكام الشرع:

فإنَّ فضْحَه حرامٌ بالاتفاق لأنَّ كُلَّ ابنِ آدامَ خَطَّاء ، وقَدْ عَدَّ ابنُ حجر هتك المسلم العاصي  أو تتبع عوراته حتى يفْضَحَهُ ويُذِلَّهُ بهَا الناسُ مِن الكبائر مستدلاً بقولِ النبي صلى الله عليه وسلم : (مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ بِهَا فِي بَيْتِهِ ) وعلل ذلك بقوله : لأَنَّ كَشْفَ العورةِ والافتضاحَ فيهِ مِن الوعيدِ ما لا يخفى .  

  1. أما إذا كان الإنسان يجاهرُ بالمعصيةِ أو وصلَ به الحالُ إلى إشاعتِهَا والتهتكِ بها بل بعضهم ربما افتخرَ بالذنب فيُسْتَحَبُّ ألا يُسْتَرَ عليه ، لأَن السترَ عليه يُطَمِّعُهُ في الإيذاءِ والفسادِ وانتهاكِ الحرماتِ وجسارة غيره على مثل فعله ، وإنما يُرْفعُ أمرُه إلى ولي الأمرِ لإيقافِ شره وتطهير الأرض من رجسه بكل وسيلةٍ مشروعةٍ ما لم تُؤَدِّ إلى مفسدةٍ أكبرَ منها . وهذا لا ينافي الأمرَ بالمعروفِ والنهي عن المنكر والنصيحة في الدين.

تنويه:

هذا كله في سَتْرِ معصيةٍ وقَعَتْ وانقضَتْ، أما معصيةٌ رَآَه عليها وهُوَ بعدُ مُتَلَبِّسٌ بِهَا فتجبُ المبادرةُ بإنكارِهَا عليه ومَنْعُه منها على مَنْ قَدَرَ على ذلك، ولا يَحِلُّ تأخيرُها ، فإن عَجَزَ لَزِمَهُ رفْعُهَا إلى ولي الأمر ، إذا لم تترتب على ذلك مفسدة ، وهذا يُعد من النصيحة الواجبة وليس من الغيبة  

 

الفضح في القرآن الكريم:

  1. ورد لفظ الفضح في القرآن الكريم لفظاً في قصة لوط عليه السلام قال تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ……………. ) إلى قوله تعالى: (وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) ) الحرج 15 .

سبب استبشار قوم لوط أنهم ظنوا الملائكة شباباً من بني آدم فحدثتهم أنفسهم بأن يفعلوا بهم فاحشة اللواط.

والفضيحة التي أشار إليها نبي الله لوط عليه السلام هي تعرض قومه لضيوفه بالفاحشة لأنه رأوهم مرداً حسان الوجوه فلذلك طمعوا فيهم  ، والمعنى أن الضيف يجب إكرامه فإذا قصدتموهم بالسوء كان ذلك إهانة بي ،  ولذلك  ذَكَّرُهْم بالوازعِ الديني وإن كانوا كفاراً ، وبالوازع العُرْفِي فقال : { واتقوا الله ولا تخزون } لإن إهانة الضيف إهانة للمضيف في العرف . وكان توسل لوط لقومه بعدم التعرض لضيوفه قبل معرفته أنهم ملائكة [3]

  1. وقد وردَ الفضحُ في القرآن الكريم مَعْنَىً في حقِّ المنافقين الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر في صدورهم ففضحهم الله في سورة كاملة هي سورة التوبة ويسميها المفسرون بسورة الفاضحة

قال تعالى: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ)

قيل: إن الله أنزل هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المنافقين كانوا إذا عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكروا شيئًا من أمره وأمر المسلمين، قالوا: “لعل الله لا يفشي سِرَّنا!”، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم:(استهزءوا)، متهددًا لهم متوعدًا:(إن الله مخرج ما تحذرون).[4]

 

التحذير من الفضح في السنة:

  1. عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعُ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ) رواه أبو داود وحسنه الألباني .
  2. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ الْحَدِيثَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ). رواه الترمذي وحسنهالألباني 

(ثُمَّ اِلْتَفَتَ)المتحدث التفت يَمِينًا وَشِمَالًا اِحْتِيَاطًا ألا يسمعه أحد.  

(فهي أَمَانَةٌ)أَيْ عِنْدَ مَنْ حَدَّثَهُ أَيْ حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَمَانَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ كَتْمُهُ.

قَالَ اِبْنُ رَسْلَانَ: لِأَنَّ اِلْتِفَاتَهُ إِعْلَامٌ لِمَنْ يُحَدِّثُهُ أَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَسْمَعَ حَدِيثَهُ أَحَدٌ وَأَنَّهُ قَدْ خَصَّهُ سِرَّهُ ، فَكَانَ الِالْتِفَاتُ قَائِمًا مَقَامَ اُكْتُمْ هَذَا عَنِّي أَيْ خُذْهُ عَنِّي وَاكْتُمْهُ وَهُوَ عِنْدَك أَمَانَةٌ اِنْتَهَى . [5]

  1. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِنْ بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِشْقَصٍ أَوْ بِمَشَاقِصَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخْتِلُ الرَّجُلَ لِيَطْعُنَهُ)

المشقص: هو صْل السَّهْم إِذَا كَانَ طَوِيلًا غَيْر عَرِيض.

ومعنى قوله (يَخْتِلُ الرَّجُلَ) أي يطعنه وهو غافل.

والحديث أورده البخاري في صحيحه ( بَاب الِاسْتِئْذَانِ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ ) لِأَنَّ الْمُسْتَأْذِن لَوْ دَخَلَ إلى دارٍ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَرَأَى بَعْض عورات أهل  الدار أو ما يخفوه من أسرار  ، وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيح بِذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي ” الْأَدَب الْمُفْرَد ” وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيث ثَوْبَانَ رَفَعَهُ ” لَا يَحِلّ لِامْرِئٍ مُسْلِم أَنْ يَنْظُر إِلَى جَوْف بَيْت حَتَّى يَسْتَأْذِن فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ دَخَلَ ” أَيْ إن نظر قبل الإذن صَارَ فِي حُكْم الدَّاخِل .

وهذا الحكم مَخْصُوص بِمَنْ تَعَمَّدَ النَّظَر، وَأَمَّا مَنْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ عَنْ غَيْر قَصْد فَلَا حَرَج عَلَيْهِ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: (لَا تُتْبِع النَّظْرَة النَّظْرَة، فَإِنَّ لَك الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الثَّانِيَة ) . [6]

عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنْ الْأَرْضِ) رواه أبو داود وصححه الألباني

 

ووجه الدلالة من الحديث: هو حرمة كشف العورة أمام الغير لأن هذا باب من أبواب الفضيحة وكشف ما هو مستور وقد وورد الوعيد الشديد لمن يتعمد كشف نفسه وفضحها فمن ذلك:

ما رواه مسلم وغيره عن أبي سعيد قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا يَخْرُجْ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ).

وروى مسلم أيضا عن أبي سعيد قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا).

قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَحْرِيم إِفْشَاء الرَّجُل مَا يَجْرِي بَيْنه وَبَيْن اِمْرَأَته مِنْ أُمُور الِاسْتِمْتَاع ، وَوَصْف تَفَاصِيل ذَلِكَ وَمَا يَجْرِي مِنْ الْمَرْأَة فِيهِ مِنْ قَوْل أَوْ فِعْل ـ أو أوصاف خلقية ـ  

 

قال الشاعر:

إذا المرءُ أَفْشَى سِرَّه بِلِسَانِهِ                 

ولامَ عليه غيْرَهُ فَهُوَ أحمقُ

إذا ضاقَ صدرُ المرْءِ عنْ سِرِّ نَفْسِه       

فَصَدْرُ الذي يُسْتَوْدَعُ السِّرَّ أَضْيَقُ

 

  1. وعن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ ) مسلم

والمقصود بالإفضاء هنا هو اِضْطِجَاع الرَّجُل مَعَ الرَّجُل فِي ثَوْب وَاحِد، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة مَعَ الْمَرْأَة سَوَاء كَانَ بَيْنهمَا حَائِل أَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا حَائِل بِأَنْ يَكُونَا مُتَجَرِّدَيْنِ.

قَالَ النَّوَوِيّ: وفيه نَهْي تَحْرِيم إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا حَائِل.

 

 

والخلاصة:

أن كل ما ورد في الأدلة يدل على أن الحرص على تلمس العورات والأسرار من الذنوب التي تمحوا الإيمان من القلوب، وتستجلب غضب الله وتهديده وفضحه لصاحب هذا الجرم . كما أنه فساد للمسلمين وإشاعة للذعر والتوجس وشغل كل منهم بنفسه أو بغيره من المسلمين فيما يضر ولا يفيد

ولهذا حذرنا الله من ذلك ونهانا عنه وتوعدنا إن اقترفناه. فقال سبحانه: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة) النور / 19  

وفي الحديث عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّكَ إِنْ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ) رواه أبو داود وصححه الألباني.

 

انتهى،

 

[1]  موسوعة نظر النعيم (بتصرف).

[2]  موسوعة نظر النعيم

[3]  ملخصاً من فتح القدير، وتفسير الرازي، وابن عاشور، والشنقيطي.

[4] تفسري الطبري 14/331.

[5]  تحفة الأحوذي 5/195.

[6]  انظر فتح الباري 17/471 (بتصرف).